الشوكاني

38

فتح القدير

( ابتغوا ) اطلبوا ( إليه ) لا إلى غيره ، و ( الوسيلة ) فعيلة من توسلت إليه : إذا تقربت إليه . قال عنترة : إن الرجال لهم إليك وسيلة * إن يأخذوك تكحلي وتخضبي وقال آخر : إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا * وعاد النصابي بيننا والوسائل فالوسيلة : القربة التي ينبغي أن تطلب وبه قال أبو وائل والحسن ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد . وروى عن ابن عباس وعطاء وعبد الله بن كثير . قال ابن كثير في تفسيره : وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه . والوسيلة أيضا درجة في الجنة مختصة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة " وفى صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة " وفى الباب أحاديث ، وعطف ( وابتغوا إليه الوسيلة ) على ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ) يفيد أن الوسيلة غير التقوى ، وقيل هي التقوى ، لأنها ملاك الأمر وكل الخير فتكون الجملة الثانية على هذا مفسرة للجملة الأولى . والظاهر أن الوسيلة التي هي القربة تصدق على التقوى وعلى غيرها من خصال الخير التي يتقرب العباد بها إلى ربهم ( وجاهدوا في سبيله ) من لم يقبل دينه ( لعلكم تفلحون ) . قوله ( إن الذين كفروا ) كلام مبتدأ مسوق لزجر الكفار وترغيب المسلمين في امتثال أوامر الله سبحانه ( لو أن لهم ما في الأرض ) من أموالها ومنافعها ، وقيل المراد لكل واحد منهم ليكون أشد تهويلا ، وإن كان الظاهر من ضمير الجمع خلاف ذلك ، و ( جميعا ) تأكيد . وقوله ( ومثله ) عطف على ما في الأرض ، و ( معه ) في محل نصب على الحال ( ليفتدوا به ) ليجعلوه فدية لأنفسهم ، وأفرد الضمير إما لكونه راجعا إلى المذكور أو لكونه بمنزلة اسم الإشارة : أي ليفتدوا بذلك ، و ( من عذاب يوم القيامة ) متعلق بالفعل المذكور ( ما تقبل منهم ) ذلك ، وهذا هو جواب لو . قوله ( يريدون أن يخرجوا من النار ) هذا استئناف بياني ، كأنه قيل : كيف حالهم فيما هم فيه من هذا العذاب الأليم ؟ فقيل يريدون أن يخرجوا من النار . وقرئ ( أن يخرجوا ) من أخرج ، ويضعف هذه القراءة ( وما هم بخارجين منها ) ومحل هذه الجملة أعني قوله ( وما هم بخارجين منها ) النصب على الحال ، وقيل إنها جملة اعتراضية . وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وابتغوا إليه الوسيلة ) قال : الوسيلة القربة . وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة مثله . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ( وابتغوا إليه الوسيلة قال : تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه . وأخرج مسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة " قال : يريد الفقير ، فقلت لجابر يقول الله ( يريدون أن يخرجوا من النار وهم بخارجين منها ) قال : أتل أول الآية ( إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به ) ألا إنهم الذين كفروا . وأخرج ابن جرير عن عكرمة : أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس : تزعم أن قوما يخرجون من النار